نخبة من الأكاديميين

91

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

لقد كانت محاولات « عماد الدين زنكي » ، ثم ابنه وخليفته نور الدين محمود ، بداية حركة الاسترداد الإسلامية لما استولى عليه الصليبيون ، وبلغت قمتها على يد السلطان صلاح الدين الأيوبي الذي استطاع أن يوحد الجبهة العربية الإسلامية ، فأنزل بالصليبيين هزيمة فادحة في معركة حطين 583 ه - / 1187 م . وجائت الحملة الصليبية الثالثة تجسيدًا لرد الفعل الأوروبي تجاه استرداد المسلمين بيت المقدس ، وكان على رأسها ثلاثة من رؤوس أوروبا المتوجة الكبيرة : فردريك بربروسا إمبراطور ألمانيا المسن ، وفيليب أغسطس ملك فرنسا اللاهي المخادع ، وريتشارد الأول قلب الأسد ملك إنكلترا المتهور المتوحش . وقد سبقت هذه الحملة وصاحبتها حملة دعاوة هائلة ضد المسلمين ، وضد دينهم ، وضد صلاح الدين الأيوبي نفسه . وهناك عدد من أغاني الحروب الصليبية تدور حول هذه الحملة الصليبية الثالثة ، وهي لا تختلف كثيرًا في مضمونها عن الأغاني السابقة التي تدخل ضمن نطاق أغاني الحروب الصليبية . لكن هذه الأغاني تتميز بأنها قصائد قصيرة من ناحية ، كما أنها من ناحية أخرى تحمل لهجة التهديد العالي الوتيرة للمتقاعسين كما وتتصاعد فيها فكرة الانتقام لسقوط بيت المقدس بأيدي المسلمين : " إذا تركنا هذا المكان لأعدائنا الفانين فستكون حياتنا عارًا إلى الأبد " لقد كان سقوط القدس في أيدي المسلمين نذير سوء للغرب الكاثوليكي ، وإنذاراً باكراً بسقوط الكيان الصليبي بأسره . وكان رد الفعل الثقافي والفكري عنيفاً بقدر ما كان رد الفعل العسكري المتمثل في الحملة الصليبية الثالثة قويًا . وقد حملت أغاني الحروب الصليبية أصداء هذا وذاك . وإلى جانب ما حملته هذه الأغاني من الموضوعات الصليبية التقليدية ، تتردد أصداء الصدمة التي أصابت الغرب الأوروبي بسبب استرداد صلاح الدين القدس . وتلفق هذه الأغاني الكثير من التهم الكاذبة للمسلمين وعلى رأسهم صلاح الدين الأيوبي ؛ فيقول أحد الشعراء الذي كتب قصيدة عن معارك صلاح الدين واسترداد القدس ، إنه قتل خليفة مصر ( الفاطمي ) وكان عاشقًا لامرأة متزوجة هي امرأة نور الدين محمود الذي تقول الأنشودة إن صلاح الدين دسَّ له السم ، كما تتهمه بأنه وراء موت نور الدين أيضًا . وهناك عدة قصائد عن الحملة الصليبية الخامسة التي دعا إليها البابا إنوسنت الثالث ، ثم البابا هنريوس الثالث ، وكان هدفها الاستيلاء على مصر ، ولكن الحملة فشلت واضطر الصليبيون إلى الهروب بأرواحهم سنة 1221 م . وكان من نتائج هذه الحملة الفاشلة أن وقع عدد من الدوقات والكونتات الألمان والفرنسيين أسرى في أيدي المصريين . وهناك قصيدة تستحث فردريك الثاني هوهنشتاوفن على الذهاب إلى الشرق والتخلي عن زخرف الدنيا : " لكن أصحبنا إلى ما وراء البحر لأن هذه الأشياء كلها سوف تهلك يومًا ما ولا يهلك ربنا . . . . . "